ابن بسام
112
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
النزول بزهرائها المعطّلة بأسفلها ، التي منها أبدا كان يصاب / مقتلها ، وسبق الخبر بأنه قد أنهض نحوها ولده إسماعيل المتسمّي بالمنصور خليفته ووليّ عهده ، وهو النار في أحجارها مستكنّة ، ولا يشكّ أنه أرسل منه على قرطبة شواظ نار لا يذر منها باقية ، فنفّس اللّه مخنّق أهلها بما نقض تدبيره وثنى عزمه ، فأقصر صاغرا . فجرى من قدر اللّه الذي لا يغالب أن كره هذا الفتى ما حمله عليه والده من ذلك ، وهاج منه حقودا كانت له بنفسه كامنة ، جسّرته على معصية أبيه ، وانصرف من طريقه لأمر اختلف فيه ، فقيل : إنه استوحش منه لمكروه كان أحلّ به أبوه بين يدي إخراجه إلى عدوة قرطبة لما قدّر اللّه من حتفه ، وقيل : بل عظم عليه أمر الهجوم على مثل قرطبة لقلّة من معه / من جيشه ، وحذره لنزوله ما بينهم وبين حليفهم باديس بن حبوس الذي لم يشكّ في إسراعه إليه فيقع بين لحيين يمضغانه ، وأنه عرض ذلك على أبيه فاستجبنه وأغلظ وعيده ، وكاد يسطو به ، وألزمه المسير لسبيله ، وأوعده القتل على التواني عنه ، فأوحشه [ 38 أ ] ذلك ، ودبّر الفرار عنه مع خويّصة له أغوته ، فمشى من إشبيلية نحو مرحلتين ، ثم أظهر لأصحابه أنّ كتابا سقط عليه من عند والده يستصرفه فيه لأمر أراد مشافهته فيه ، فرجع إلى إشبيلية ، وأصاب فرصته بما قدّر بمغيب والده عن حضرته إلى مكان متنزّهه بحصن الزاهر ، فاقتحم قصره ، وعلق ببعض ذخائره واحتملها ، وأخذ أمّه وحرمه ، واستكثر مما غلّه من المال والمتاع ، يخال أن ينجو ، واحتمل كلّ ذلك على الدّواب ، وطلبها في الليل ممن يعهدها عنده ، ومضى لوقته مدابرا طريق الجزيرة الخضراء ، ثغر أعمال والده بالساحل ، مقدّرا دخولها والانتزاء بها عليه ، فصار ارتباكه في تباطؤه الداعي إلى لحاقه وعوقه عن طريقه ، واختلفت الحكايات في قصّته هذه وسبيل مهربه ، وظفر والده به وانصرافه إلى يده ، مما يطول القول فيه ، بعد أن وقف في طريقه بعض حصون أبيه ، فغلّقها قوّاده في وجهه ، وخاف اجتماعهم للقبض عليه ، فاضطرّ إلى ابن أبي حصاد بقلعته طرف كورة شذونة ، مستجيرا به ، فأجاره - زعموا - بأسفل قلعته لم يصعده إليها استظهارا على مكيدة قدّرها من أبيه ، بعد أن نزل إليه واستقبله برجاله ، مشيرا إليه بمراجعة أبيه ، ورفع الخرق عليه بالإنابة إلى طاعته ، ضامنا له استجلاب عفوه ، فلم يمكنه العدول عنه لقلّة من معه ، وأجابه ، فأنزلهم عنده منزل تكريم ، وبادر الكتاب إلى عبّاد بحصوله بيده ، ووصف له ندمه ، وتشفّع له ، فسرّ عبّاد بذلك ، وكان شديد الخوف أن يلحق بأعدائه هنالك ، وأجاب هذا الحصاديّ / وشفّعه ، فأجاب إسماعيل إلى أبيه ، ودخل إشبيلية ليلا ، ونكّب [ به ] عن قصره إلى بعض دوره بالقرب منه ، ومنعه أن يدخل عليه أحد ، وصرف اللّه على عبّاد